أبي حيان الأندلسي
377
البحر المحيط في التفسير
ألا تسألان المرء ما ذا يحاول إلّا أن : ما ذا ، هنا مبتدأ ، وخبر ، ولا يجوز أن يكون مفعولا بيحاول ، لأن بعده : أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل ويضعف أن يكون : ما ذا كله مبتدأ ، و : يحاول ، الخبر لضعف حذف العائد المنصوب من خبر المبتدأ دون الصلة ، فإن حذفه منها فصيح ، وذكر ابن عطية : أن : ما ذا ، إذا كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب ، إلّا ما جاء من قول الشاعر : وما ذا عسى الواشون أن يتحدّثوا * سوى أن يقولوا : إنني لك عاشق فإن عسى لا تعمل في : ما ذا ، في موضع رفع ، وهو مركب إذ لا صلة لذا . انتهى . وإنما لم يكن : لذا ، في البيت صلة لأن عسى لا تقع صلة للموصول الاسمي ، فلا يجوز لذا أن تكون بمعنى الذي ، وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسما مركبة فهي في موضع نصب ، إلّا ، في ذلك البيت لا نعرفه ، بل يجوز أن نقول : ما ذا محبوب لك ؟ و : من ذا قائم ؟ على تقدير التركيب ، فكأنك قلت : ما محبوب ؟ ومن قائم ؟ ولا فرق بين هذا وبين من ذا تضربه ؟ على تقديره : من تضربه ؟ وجعل : من ، مبتدأ . قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ هذا بيان لمصرف ما ينفقونه ، وقد تضمن المسؤول عنه ، وهو المنفق بقوله : من خير ، ويحتمل أن يكون ما ذا سؤالا عن المصرف على حذف مضاف ، التقدير مصرف ما ذا ينفقون ؟ أي : يجعلون إنفاقهم ؟ فيكون الجواب إذ ذاك مطابقا ، ويحتمل أن يكون حذف من الأول الذي هو السؤال المصرف ، ومن الثاني الذي هو الجواب ذكر المنفق ، وكلاهما مراد ، وإن كان محذوفا ، وهو نوع من البلاغة تقدّم نظيره في قوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ « 1 » . وقال الزمخشري : قد تضمن قوله تعالى : ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان ما ينفقونه ، وهو كل خير ، وبني الكلام على هواهم ، وهو بيان المصرف ، لأن النفقة لا يعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها ، كقول الشاعر :
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 171 .